مجمع البحوث الاسلامية
727
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المسألة الثّالثة : إذا قلنا : الكناية عائدة إلى القرآن ، فاختلفوا في أنّه تعالى كيف يحفظ القرآن ؟ قال بعضهم : حفظه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر ، فعجز الخلق عن الزّيادة فيه والنّقصان عنه ، لأنّهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغيّر نظم القرآن ، فيظهر لكلّ العقلاء أنّ هذا ليس من القرآن ، فصار كونه معجزا كإحاطة السّور بالمدينة ، لأنّه يحصنها ويحفظها . وقال آخرون : إنّه تعالى صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته . وقال آخرون : أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده ، بأن قيّض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه ، فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التّكليف . وقال آخرون : المراد بالحفظ هو أنّ أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة ، لقال له أهل الدّنيا : هذا كذب وتغيير لكلام اللّه تعالى ، حتّى أنّ الشّيخ المهيب لو اتّفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب اللّه تعالى ، لقال له كلّ الصّبيان : أخطأت أيّها الشّيخ ، وصوابه كذا وكذا ، فهذا هو المراد من قوله : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . واعلم أنّه لم يتّفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ ، فإنّه لا كتاب إلّا وقد دخله التّصحيف والتّحريف والتّغيير ، إمّا في الكثير منه أو في القليل ، وبقاء هذا الكتاب مصونا عن جميع جهات التّحريف - مع أنّ دواعي الملحدة واليهود والنّصارى متوفّرة على إبطاله وإفساده - من أعظم المعجزات ، وأيضا أخبر اللّه تعالى عن بقائه محفوظا عن التّغيير والتّحريف ، وانقضى الآن قريبا من ستّمئة سنة فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا . المسألة الرّابعة : احتجّ القاضي بقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ على فساد قول بعض الإماميّة [ وقد انقرضوا ] في أنّ القرآن قد دخله التّغيير والزّيادة والنّقصان ، قال : لأنّه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا . وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنّه يجري مجرى إثبات الشّيء بنفسه ، فالإماميّة الّذين يقولون : إنّ القرآن قد دخله التّغيير والزّيادة والنّقصان ، لعلّهم يقولون : إنّ هذه الآية من جملة الزّوائد الّتي ألحقت بالقرآن ، فثبت أنّ إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجرى مجرى إثبات الشّيء نفسه ، وأنّه باطل ، واللّه أعلم . [ ولا يرضى الإماميّة بما ذكره عنهم ] ( 19 : 160 ) نحوه النّيسابوريّ ( 14 : 9 ) ، والشّربيني ( 2 : 194 ) . القرطبيّ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ يعني القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يزاد فيه أو ينقص منه . . . فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا ، وقال في غيره : بِمَا اسْتُحْفِظُوا المائدة : 44 ، فوكّل حفظه إليهم فبدّلوا وغيّروا . [ ثمّ نقل عن يحيى بن أكثم ] كان للمأمون - وهو أمير إذ ذاك - مجلس نظر ، فدخل في جملة النّاس رجل يهوديّ حسن الثّوب حسن الوجه طيّب الرّائحة ، قال : فتكلّم فأحسن الكلام والعبارة ، قال : فلمّا أن تقوّض المجلس دعاه المأمون ، فقال له : إسرائيليّ ؟ قال : نعم . قال له : أسلم حتّى أفعل بك وأصنع ، ووعده . فقال : ديني ودين آبائي ! وانصرف . قال : فلمّا كان بعد سنة جاءنا مسلما ، قال : فتكلّم على الفقه فأحسن الكلام ، فلمّا تقوّض المجلس دعاه المأمون ،